الوضع المظلم
السبت ١٦ / مايو / ٢٠٢٦
Logo
  • اللغة الكردية في سوريا: من "هاوار" جلادت بدرخان إلى صراع الهوية والوجود

اللغة الكردية في سوريا: من
هوزان يوسف

في الخامس عشر من أيار، ومع كل ذكرى لصدور مجلة "هاوار" في دمشق عام 1932 على يد الأمير جلادت علي بدرخان، لا نستحضرُ مجرد محطة ثقافية عابرة، بل نستعيد لحظةً مفصلية في مسار الهوية الكردية. لقد كانت "هاوار" حجر الأساس لمشروع نهضوي متكامل، ومن خلالها تبلورت الأبجدية الكردية اللاتينية لتغدو عماد الكتابة المعاصرة. لم تكن المجلة مجرد منبر أدبي، بل كانت صرخةً مدوية أثبتت أن اللغة الكردية ليست لهجةً هامشية، بل لغة شعبٍ حيٍّ يمتلك إرثه، وأدبه، وحقه الطبيعي في التعبير والتعليم والإدارة بلسانه الأم.

والمفارقة المؤلمة التي تفرض نفسها اليوم، أنه بعد قرابة قرنٍ على صدور "هاوار" علناً في دمشق، لا تزال سوريا تفتقر إلى أي صحيفة أو وسيلة إعلام كردية رسمية ومعترف بها. بل يظل النقاش معلقاً حول أبسط الحقوق الإنسانية: الحق في التعلم باللغة الأم.

لقد جرى الترويج لـ "المرسوم رقم 13" على أنه إنجاز تاريخي،

 

بينما هو في حقيقته لا يرقى إلى الحد الأدنى من حقوق شعبٍ على أرضه التاريخية؛ فاختزال اللغة الكردية في حصتين أسبوعيتين كمادة اختيارية ليس اعترافاً، بل هو انتقاصٌ صريح من مكانة اللغة وحقوق أصحابها.

ثمة فرق جوهري بين النظر إلى الكردية كلغة "وطنية" –كما هي لغات المكونات المهاجرة التي استقرت في سوريا– وبين الاعتراف بها لغة شعبٍ أصيل يشارك في بناء البلاد وصياغة مستقبلها. إن حقوق الشعب الكردي ليست هبةً تُمنح أو تُمنع، بل هي استحقاقٌ يفرض الرسمية الكاملة للغتهم في مناطق وجودهم التاريخي، لا مجرد اعتراف شكلي باهت.

وعلى أقل تقدير، فإن أدنى معايير العدالة يقتضي اعتماد اللغة الكردية لغةً رسمية في مناطق الغالبية الكردية في سوريا، إن تعذر إقرارها على المستوى الوطني الشامل.

لقد شهدت السنوات الأربع عشرة الماضية تغيراً جذرياً؛ إذ نشأ جيلٌ كردي كامل يتلقى تعليمه بلغته الأم. ولأول مرة في تاريخ سوريا، تحولت الكردية إلى لغة تعليم، وإدارة، ومؤسسات، بل وتوجت بتأسيس صروح علمية كجامعة "روجافا". لقد كانت هذه الخطوات علامة فارقة في تجربة الإدارة الذاتية، حيث استشعر الكرد لأول مرة أن لغتهم ليست كياناً مطارداً، بل وعاءً للحياة والتعليم والمستقبل.

 

كيف يمكن اليوم إقناع هذا الجيل بالارتداد إلى الوراء، وحصر لغته في هامش ضيق؟ وكيف يمكن التعامل مع لغةٍ باتت ركيزة مؤسساتية وكأنها تفصيل ثانوي؟

إن قضية اللغة ليست شأناً إدارياً أو تقنياً، بل هي جوهر الوجود والكرامة الجماعية. اللغة هي ذاكرة الشعوب ووعيها، ومن يُنتقص من حقه فيها، يُدفع تدريجياً نحو التهميش والاقتلاع الثقافي.

ومن هذا المنطلق، تقع على عاتق الحركة السياسية الكردية، والإدارة الذاتية، والنخب الفاعلة، مسؤولية تاريخية بالحفاظ على مكتسبات التعليم باللغة الأم، وتحصينها ضد أي مساومة سياسية. إن القضية الكردية أعمق من الرموز الشكلية أو اللافتات المترجمة؛ فالمطلوب هو تفعيل الكردية لغةً رسمية في القضاء والإدارة والحياة العامة.

يمكن للنقاش السياسي أن يتسع ليشمل آليات الإدارة أو طبيعة النظام السياسي، لكن الحق في اللغة والتعليم الأم يظل "خطاً أحمر" لا يقبل التراجع أو التفاوض.

في يوم اللغة الكردية، لا نحتفي بـ "هاوار" كذكرى من الماضي، بل نستحضرها كرسالة مستمرة؛ مشروعاً متجدداً للدفاع عن هوية شعبٍ يصر على أن يعيش، ويتعلم، ويدير شؤونه بلغته التي هي عنوان كرامته.

ليفانت :هوزان يوسف 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!